نشأة الإدارة الاستراتيجية
في نهايــة الســبعينات مــن القــرن المــاضي اخــذ الاهــتمام يتزايــد في الــدول العربيــة بمفهــوم الادارة الاستراتيجية بهدف تزويد الباحثين والمعنيين والخبراء بالمعرفة بالمشاكل الحقيقية لمنظمات الاعمال والمؤسسات، وماهية الحلول لمعالجتها في ضـوء المتغـيرات البيئيـة. اذ ان التوسـع في دراسـة البيئـة الخارجية والداخلية يتيح صياغة ستراتيجية قادرة على مواجهة التحـديات التـي تقـف في طريقهـا بغية تحقيق اهدافها. وقد اصبح يطلق على الحقل المذكور الادارة الستراتيجية من خلال التركيز على مستوى المنظمة ككل، لذا جاء التركيز على مفهوم البيئة وتأثيراتهـا عـلى المـنظمات مـما أدى الى اسـتبدال مصـطلح سياسة الاعمال الى مصطلح الادارة الاستراتيجية لشموليته وقدرته على تمكين المنظمـة مـن تحقيـق اهدافها بفاعلية وكفاءة . ان تغير البيئة من مستقرة الى سريعة التغير جعل المنافسة عالية وتتسم بعدم التأكـد، مـما فـرض ضرورة الاستجابة لمتغيرات المواقف البيئية، وبخاصة في تحليل الفـرص والتهديـدات مـع تخصـيص وتنظيم الموارد لتحديد السياسات التفصيلية ومتابعة وتقييم وتنفيذ الخيار الاستراتيجي. ان تحليل عناصر الضعف والقوة والفـرص والتهديـدات ، مـن خـلال مصـفوفة SWATيمكـن مـن تطوير الادارة الاستراتيجة وتأكيد ترابطها الوثيق بعوامل البيئـة الخارجيـة والداخليـة وتأثيراتهـا في تنفيذ وتصميم الخطط وقد شهد العقد الاخـير مـن القـرن المـاضي زيـادة سرعـة وديناميكيـة المتغـيرات البيئيـة في جميـع المجالات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية و التشريعية وغيرها، اضف الى ذلك افرازات العولمـة مــع ظهــور مــداخل جديــدة في الادارة كمــدخل ادارة النوعيــة الشــاملة ،TQMواعــادة هندســة الشركات،ومدخل الهدم الخلاق Creatuve Destructionومدخل المقارنة المرجعية وغيرهـا ، وهـو دليل كبير على الدور الفاعل للادارة الاستراتيجية على صياغة وبناء الغايات والاهداف وصنع الخيار لاستراتيجي الملائم. في ضوء ذلك فأن الادارة الاستراتيجية اصبحت تمارس دورا حيويا في حيـاة المـنظمات مــن خــلال كونهــا عمليــة تصــور مســتقبلي وفــق منظــور تحلــيلي مســتمر متجــدد ومتكيــف مــع التحــديات البيئــة. لقــد اشــتقت الاســتراتيجية كمفــردة مــن الكلمــة اليونانية strategosاي فن القيادة، لذا فهي ترتبط بالمهام العسكرية وقد عرفها قـاموس وبستر بأنها " علم تخطيط العمليات العسكرية وتوجيهها " ومن ثم تعددت استخداماتها في كافة العلوم الاجتماعية والاداريـة والسياسـية وغيرهـا. وفي حقـل الادارة لم يتفـق عـلى تعريف شامل محدد للاستراتيجية، فمنهم من قال بأنها الغايات ذات الطبيعـة الاساسـية. ومنهم من قـال بأنهـا تحديـد الاهـداف والغايـات البعيـدة المـدى مـع تخصـيص المـوارد لتحقيق تلك الاهداف والغايات وغير ذلك من تعاريف. ما الادارة الاستراتيجية فقد تعددت هي الاخرى تعاريفها ، لكننـي افضـل بأنهـا " تلـك الفعاليـات والخطط التي تضعها المنظمة على المدى البعيد بما يكفل تحقيق التلاؤم بين المنظمة ورسالتها وبين البيئة بشكل فاعل وكفوء، كما قال توماس. اما دراكر فقد اكد على الجانب المعلوماتي من خلال قوله " انهـا عمليـة مسـتمرة لتنظـيم وتنفيـذ القرارات وتوفير المعلومات اللازمة وتنظيم الموارد والجهود الكفيلة لتنفيذ القرارات وتقييم النتائج من خلال نظام معلوماتي متكامل وفعال" . تأسيسا على ذلك فان الادارة الاستراتيجية تتضمن المراحل المتقدمة لتحديد رسالة واهداف المنظمة في سياق الظروف البيئية المرافقة. ويمكن ان تكون خطواتها في صياغة الرسـالة وتحديـد الاهـداف، وصياغة الاستراتيجية، والتحليل الستراتيجي، والخيارات الاستراتيجية على مسـتوى المنظمـة بشـكل خاص، ومن ثم تنفيذ الاستراتيجية، وتقييم ورقابة الاداء لتحقيق الاهداف. ان المنظمات والمؤسسات الساعية للبقاء والنجاح والتفوق والتميز التنافسي لابد لهـا مـن ممارسـةلتخطــيط الاســتراتيجي، لبلــوغ اهــدافها المرســومة بعنايــة ضــمن مــدة زمنيــة مناســبة، ومواجهــة التحديات وحالة عدم التأكد البيئي ، وبخاصة من خلال امتلاك نظم معلومـات اسـتراتيجية. اذ ان ذلك يدعم المركز التنافسي ويساعد على الافادة من الموارد، وتخصيصها بطريقة فعالة .وبذلك فـان الادارة الاسـتراتيجية هـي الاداة الفاعلــة للقيـادة الاداريـة في تنميــة التفكـير الاسـتراتيجي وتطــوير الاستشراف المستقبلي ، اضـافة الى تـوفير فـرص المشـاركة لجميـع المسـتويات في عمليـة التخطـيط والتنفيذ ، مع الاهتمام بالمعرفة كميزة تنافسـية ، كـما انهـا تسـاهم كمنظومـة متكاملـة في اتخـاذ القرارات الاستراتيجية المستقبلية . ان التنافس الشديد فرض ايجاد عناصر قيادية تتولى مسؤولية الادارة الاستراتيجية تتجلى مسؤوليتهم في تحديد الاهداف والغايات بعيدة المـدى- التـي تشـكل مرحلـة متكاملـة، وتحليــل البيئــة ومتغيراتهــا والمشــاركة في التنفيــذ والمتابعــة، وذلــك يتطلــب ادوارا ومهام اساسية تشمل جميع العمليات والانشطة في المؤسسة ، مـع تحقيـق الانسـجام – الهـارموني بين الاهداف الآنية والمستقبلية من خلال قرارات حاسمة. ولعل من ابرزها القيام بالادوار الرئيسة، والقيادة الفعالة الديناميكية، وادارة التخطيط الاستراتيجي.
أما ابرز خصائص المدراء والقادة الاستراتيجيين كما حددها دراكر فهي:
اولاً: ان تكون اعمالهم وانشطتهم غير روتينية وغير متكررة الا قليلا.
ثانياً: ان يتمتعوا بقدرات استثنائية مع امكانات عالية في التحليل والتشخيص وتقييم البـدائل، مـع
القدرة غير المعتادة في الحدس والتنبؤ بالمستقبل. وقد اضاف لذلك مفكرون آخرون وضوح الرؤيـة
الثاقبة عند وضع الاهداف .
كذلك اضافوا القدرة على الاحاطة والاطلاع بمديات القرارات مـن خـلال شـبكة معلوماتيـة ونظـرة
تحليلية مميزة. فلقد اوضح راب ان صورة القائد – المدير الاستراتيجي تختلـف عـن صـورة متخـذ
القرار العقلاني بالتأكيد بمعرفته الذكية بمكامن الضعف ومساحات عدم الجدوى، مـع قدرتـه عـلى
بناء الائتلافات للحصول على اهدافه بأقل احتكاك وخسارة اي في كونه سياسي التكوين.