لتحميل الكتاب اضغط هنا
يتعامل الناس عمومـا في حيـاتهم اليوميـة مـع المفـاهيم وحتـى بعـض المفـردات الإحصائية وبالأخص ما يتعلق منها بالإحتمالات وبعض المقاييس الوصـفية مـع رصـد مـا يطرأ عليها من تغيرات عبر فترات زمنية متعاقبة. ً وإذا كان هذا الأمر محـسوسا بالنـسبة لنا في الوقت الحاضر، فإن حقب التأريخ القديم وما بعده أفرزت أحـداثا تـنم مجرياتهـا عن بدء استخدام الأسـاليب الإحـصائية عـلى أرض الواقـع والتـي يمكـن إعتب ً ارهـا أفكـارا تتناغم مع بعض أحدث الأساليب الإحصائية المعاصرة. وبالرغم مما نشهده من تطور متـسارع في علـم الإحـصاء ليـشمل كافـة جوانـب العمليات والطرق الإحصائية، إلا أن انعكاسات ذلك في العمل الإحـصائي العـربي لم يكـن بالمستوى الذي يمكن تلمسه من قبل العديد من العاملين في المجال الإحـصائي مـما بـات يخلق جدلاً ً مستمرا بين الإحـصائيين العـاملين في المجـال الأكـاديمي وأولئـك العـاملين في الميدان الإحصائي ضمن المؤسسات العامة أو الخاصة. وعلى عكس ما هو ملموس في الدول المتقدمة التي ظهرت فيهـا حقـب متتاليـة من التطويرلجوانب مختلفـة مـن علـم الإحـصاء نتيجـة للتفاعـل والتعـاون القـائم بـين العلميين الذين ساهموا في هذا التطوير والمؤسسات التي كانت بحاجة له، نجد أن الأمر ٍ لدينا حاليا يتمركز على طروحات من الطرفين يمكن وضعها بـشكل شـكاوى أو إتهامـات متبادلـة مـن أحـد الطـرفين للطـرف اللآخـر. ففـي الوقـت الـذي يحـاول فيـه الأحـصاء الأكاديمي لدينا متابعة المستجدات في البرامج الإحصائية التطبيقية في غالبيـة الجامعـات العالمية وتبني ما هو مناسب لتحديث البرامج الدراسية طبقا لذلك، يشكو فيه العاملون في الميدان الإحصائي ابتعاد هـذه الـبرامج عـن الغايـات التطبيقيـة للأسـاليب الإحـصائية وتركيزها على الجانب النظري ذو الطابع الرياضي ) ٍ من خلال قراءتهم لمـساقات متعـددة في النظريات الإحصائية والرياضيات( ٍ ٍ مما يخلـق اشـكاليات وصـعوبات لـدى الخـريجين بتخصصات إحصائية عند عملهم في الميدان. من جانب آخر، يحاول الطرف الأكاديمي التوضـيح بـأن آليـة التحـديث المـستمر للـبرامج الدراسـية تأخـذ في الإعتبـار مجـالات التطبيـق للأسـاليب الإحـصائية في عمـل المؤسسات العامة والخاصة ولا يوجد من المساقات النظرية في الإحـصاء والرياضـيات الا ما هو بحكم الضرورة لتمكين الطالب من استيعاب المنطق الحسابي والتحليلي للبيانـات الإحصائية عند التطبيق. وفي هذه الورقة نحاول تناول عدد من الجوانب في العمل الإحصائي للمـساعدة في توضيح الصورة ووضع الأمور في نـصابها قـدر الإمكـان لمـد المزيـد مـن جـسور التفاعـل والعمل المشترك بـين الفـريقين الأكـاديمي والميـداني. ومـن خـلال الطـواف في مجريـات التطور التأريخي لعلم الإحصاء، سيتم القاء الضوء على العلاقة المتبادلـة مـابين النظريـةٍ والتطبيق في علم الإحصاء والتي يمكن وضعها ضمن مفهوم التغذية المتبادلة لكل مـنهما للآخر مما دفع علم الإحصاء الى ان يشهد التطور الكبير الذي طرأ عليه وهو مـا نلمـسه حالياً.
البعد التأريخي في علم الإحصاء .
الكلام عن علم الإحصاء وتطوره تأريخيا، غالبا ما يكون في ذهننا الـذهاب الى ً بدايات القرن السابع عشر وربما أحيانا القرن السادس عشر عـلى أبعـد تقـدير. والـدافع لذلك بطبيعة الحال هو مـا نعرفـه عـن بـدايات العمـل في أمـور حياتيـة والتعامـل مـع معطياتها بصيغ يغلب عليها الربط مع المنطق الرياضي السائد آنـذاك. ولكننـا عـلى أيـة حال يجب أن لا يغيب عن بالنـا مـا ورد في القـرآن الكـريم مـن ذكـر لكلمـة الإحـصاء كدلالة لفكرة العد والحصر وهو أقـدم مـن ذلـك بقـرون عـدة. وجـدير بالـذكر أن ثمـة ممارسات تطبيقية قد حدثت في التأريخ القديم الـذي يمتـد الى زمـن النبـي نـوح)عليـه السلام( وأن استيعابنا لسمة المنطق الذي كـان يحكمهـا يـدفعنا لوضـعها ضـمن العمـلً ٍ الإحصائي بـل واعتبارهـا أساسـا لطـرق إحـصائية معروفـة تـم تطويرهـا واسـتخدامها في التطبيقات الإحصائية الحديثة. ويذكر أنه بعد مرور أربعين يوما على الطوفان ، أراد النبي نوح )عليه السلام( أن يستطلع الأمـر فأرسـل الغـراب مـن عـلى الـسفينة إلا أنـه ظـل يـذهب ويجـئ دون أن يستنتج منه النبي نوح )عليه السلام( أي شـئ فـيما يتعلـق بمـا آل اليـه الطوفـان وهـو معرفة ما إذا بدأ الماء بالإنحسار وظهور اليابسة. بعد ذلـك أرسـل الحمامـة عـلى فـترات زمنية متعاقبة انتهت بمجـئ الحمامـة في المـرة الأخـيرة وهـي تحمـل في منقارهـا غـصن الزيتون لعلها تبني به عشا على السفينة. عندها استنتج النبي نوح )عليـه الـسلام بـأن ( انحسارا للماء وظهورا لليابـسة قـد بـدأ وأن الـسلامة لمـن هـم عـلى ظهـر الـسفينة قـد تحققت. وهذا ما أوحى للبعض أن يـستخدم ً شـعار الحمامـة مـع غـصن الزيتـون رمـزا للسلام كما هو معروف.
تحميل كتاب
كتاب بحوث العمليات وتطبيقاتها الاقتصادية