مفهوم الهندسة المالية
ظهرت في السنوات الماضية مفهوم جديد في عالم المال بشقيه العلمي والأكاديمي وهو ما يطلق عليه الهندسة المالية Financial Engineering، وظهرت استجابة لحاجة المؤسسات المالية والمصرفية والشركات والحكومات في صورة أدوات وآليات مالية جديدة تفي باحتياجات المجتمعات والسيطرة على المخاطر التي تواجهها مختلف المؤسسات والهيئات، فهي عبارة عن حلول إبداعية لمشاكل التمويل وإدارة المخاطر والتحوط ضد مخاطر تقلبات أسعار الفائدة والصرف وأسعار السلع لم يعد موائما لظروف العصر والتطورات التي تشهدها المجتمعات.
وشبهت الهندسة المالية بالهندسة المعمارية والمهندس المالية بالمهندس المعماري وأدوات الهندسة المالية بأدوات الهندسة المعمارية، التي يمكن من خلال استعمالها إيجاد العديد من التشكيلات والمراكز المالية المختلفة، وكذلك الاعتماد على النماذج والأساليب الكمية المدروسة بعناية وإمكانية تصميم وبناء التشكيلات المختلفة باستعمال الأدوات المالية الجديدة. ويقوم المهندس المالي بهذه العملية من خلال استراتيجيات معينة خاصة بالهندسة المالية تعتمد على تشخيص متطلبات المتعاملين في الأسواق المالية وقدراتهم من جهة، وتحليل وتشخيص الفرص والتحديات في هذه الأسواق من جهة أخرى، من أجل تحديد إستراتيجية الهندسة المالية المثلى من وجهة نظر المتعاملين.
I. تعريف الهندسة المالية: يطلق مصطلح الهندسة المالية على العديد من التقنيات المطبقة والتي تعتمد على البحث والتطوير، ويرتكز اهتمامها على ابتكار أدوات مالية جديدة تمثل حلولا إبداعية لمشاكل الإدارة ويجري توظيفها في مجال التحوط وإدارة المخاطر.
الهندسة المالية (Financial Engineering) مفهوم قديم قدم التعاملات المالية، لكنه يبدو حديثا نسبيا من حيث المصطلح والتخصص، ومعظم تعاريف الهندسة المالية مستخلصة من وجهات نظر الباحثين الذين يطورون النماذج والنظريات، أو مصممي المنتجات المالية في المؤسسات المالية، لهذا نجد اختلاف تعريفات هذا المصطلح بحسب الزاوية التي يمكن النظر منها إليه. حيث يعرف بعض الباحثين الهندسة المالية بأنها: "التصميم، والتنفيذ، لأدوات وآليات مالية مبتكرة، والصياغة لحلول إبداعية لمشاكل التمويل". ويشير بذلك إلى أن الهندسة المالية تتضمن ثلاث أنواع من الأنشطة وهي:
- ابتكار أدوات مالية جديدة، مثل بطاقات الائتمان.
- ابتكار آليات تمويلية جديدة من شأنها تخفيض التكاليف الإجرائية لأعمال قائمة، مثل التبادل من خلال الشبكة العالمية.
- ابتكار حلول جديدة للإدارة التمويلية، مثل إدارة السيولة أو الديون، أو إعداد صيغ تمويلية للمشاريع
والابتكار المقصود ليس مجرد الاختلاف عن السائد، بل لا بد أن يكون هذا الاختلاف متميزا إلى درجة تحقيقه لمستوى أفضل من الكفاءة والمثالية، ولذا فلا بد أن تكون الأداة أو الآلية التمويلية المبتكرة
تحقق ما لا تستطيع الأدوات والآليات السائدة تحقيقه.
وعرفها Don M Chance بأنها "عملية خلق منتجات مالية جديدة وتعتبر الابتكار الذي أدى إلى تحسين فرص إدارة المخاطر".
أما Smith فقد عرفها بأنها "بناء هياكل مبتكرة لإدارة الأصول والخصوم".
أما من وجهة نظر الأسواق المالية فإن مصطلح الهندسة المالية يستعمل لوصف تحليل البيانات المحصلة من السوق المالية بطريقة علمية، ويأخذ مثل هذا التحليل عادة شكل الخوارزميات الرياضية أو النماذج المالية في السوق المالية (مع إجراء تعديلات عليها)، خاصة في تجارة العملات، تسعير الخيارات وأسهم المستقبليات...إلخ، ويسمح استعمال أدوات وتقنيات الهندسة المالية للمهندسين الماليين الفهم الأفضل للسوق المالية، وبالتالي فهم أفضل من طرف المتعاملين في السوق. ويعتبر هذا مهما جدا بالنسبة للمتعاملين لأن دقة المعلومات وسرعتها أساسية في اتخاذ القرارات.
ومما سبق يمكننا إجمال مفهوم الهندسة المالية بأنها "مجموعة متعددة وواسعة من الأنشطة التي تتضمن عمليات التصميم والتطوير والتقييد والاندماج وإعادة الهيكلة للشركة وغيرها من الأنشطة المالية"
ويضيف روبرت ميرتون (حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد في مجال المشتقات) أن عملية الهندسة المالية يمكن النظر إليها كعملية بناء لأدوات مالية معقدة لا تختلف في مضمونها عن قوالب البناء في تشييد المباني، ولكن عناصر البناء هنا هي الأدوات المالية الموجودة كالعائد، مخاطر الائتمان، مخاطر الأسعار، ومخاطر أسعار الفائدة وأسعار الصرف، أما المباني فهي المنتجات المالية الجديدة.
والسؤال هنا الذي يجول في الأذهان هو: هل الهندسة المالية والابتكار المالي شيء واحد؟
ويجيب ميرتون على هذا السؤال بقوله: أن الهندسة المالية هي وسيلة لتنفيذ الابتكار المالي، وأنها منهج مصوغ في صورة نظام أو مجموعة من الأفكار والمبادئ تستخدمه مؤسسات أو شركات الخدمات المالية لإيجاد حلول أفضل لمشاكل مالية معينة تواجه عملائها. ويستفاد مما تقدم أن الهندسة المالية والابتكار المالي ليس شيئا واحدا، وإنما هما عمليتان متكاملتان تعتمد كل منها على الأخرى. فالحاجة تدفع على الابتكار، والابتكار تعتمد على الهندسة المالية والتي يتوفر للقائمين عليها من المهندسين الماليين من الخبرات والمهارات والقدرة على توظيف النماذج الرياضية والإحصائية المعقدة ما يؤهلها لوضع هذه الابتكارات موضع التنفيذ، ليتم طرحها في الأسواق في صورة أدوات مالية وخدمات تتسابق المؤسسات المالية المتنافسة على أن يكون لها فضل السبق في تقديمها لعملائها.
I. نشأة الهندسة المالية وعوامل ظهورها: إن السبب الرئيسي لوجود الهندسة المالية هو وجود القيود المتعددة سواء على المستوى الاقتصادي، السياسي أو الاجتماعي، كذلك فإن التغير السريع للبيئة حتم على المنشآت من أن تكتشف وسائل وأدوات تستطيع من خلالها صد الأخطار المحيطة بها، أو على الأقل تخفيف هذه الأخطار ومن ثم إبعاد شبح الخسائر والفشل. وفي غالب الأحيان فإن الدوافع ناتجة من طبيعة المجتمع وتقاليده وأعرافه وحتى إيديولوجيته وخلفيته الفكرية يكون سبب لوجودها، فالنظام الاقتصادي السائد هو الذي يساعد على الدفع باتجاه معين حتى وان لم يكن هذا الاتجاه قانونيا أو غير مشروع فالمذهب الاقتصادي الرأسمالي مثلا يختلف عن النظام الاشتراكي آو الشيوعي أو الإسلامي.
في مطلع الثمانينات بدأت بورصة وول ستريت (بورصة نيويورك للأوراق المالية) بالاستعانة ببعض الأكاديميين ذوي الشهرة الواسعة مثل Fisher Black & Rechard Roll لتطوير منتجات أسواق المال، وكلما زادت هذه المنتجات تعقيدا كلما زاد الاستعانة بالأكاديميين.
وفي منتصف الثمانينات أصبحت عمليات الهندسة المالية أكثر قبولا وانتشارا، وقد ساهمت العديد من العوامل في نموها، ومن بينها المخاطرة التي كانت دائما حاضرة، خاصة مخاطر تقلب أسعار الفائدة وأسعار الصرف فقد زادت زيادة محسوسة في السنوات الأخيرة. واستفادت بورصة نيويورك للأوراق المالية كثيرا من البحوث والدراسات التي تقوم بها المؤسسات الأكاديمية، كما أن تطور الكمبيوتر قد أدى دورًا بارزا في تقدم صناعة الهندسة المالية، وفي عام 1992 أنشئ الاتحاد الدولي للمهندسين الماليينThe International Association of Financial Engineering (IAFE) لرعايتهم والارتقاء بصناعة الهندسة المالية، وأصبح هذا الاتحاد يضم نحو 2000 عضوا من شتى أنحاء العالم.
ولقد شهد العقدان الماضيان نموا متصاعدا للهندسة المالية، وكان ذلك بفعل مجموعة من العوامل المتفاعلة، والتي أدت إلى تشكيل بيئة مناسبة لها, وقد تم تصنيف هذه العوامل إلى مجموعتين، الأولى عوامل بيئية داخلية تتعلق بالمنشأة نفسها والتي تملك بعض السيطرة عليها كاحتياجات السيولة وتدنية المخاطر. أما الثانية فهي عوامل بيئية خارجية والتي لا تمتلك المنشأة السيطرة المباشرة على إدارتها إلا أنها في الوقت ذاته لها ارتباط كبير بها وتشمل التغيرات الكبيرة التي طرأت على الأسعار في أسواق السلع والمال منذ منتصف السبعينات وزيادة حدة المنافسة بين المنشآت المالية والمصرفية فضلا عن التطورات التكنولوجية المتسارعة في المعلوماتية والإتصالاتية وكذا التطورات في مجال تمويل المنشآت. ويمكن إيجاز أهم العوامل التي ساعدت على ظهور مفهوم الهندسة المالية وإنزاله إلى أرض الواقع فيما يلي:
1.ظهور احتياجات مختلفة للمستثمرين وطالبي التمويل: من وظائف الوسطاء الماليين تسهيل تحويل الأموال من وحدات الفوائض النقدية لوحدات العجز المالي. ويمكن القول بان هذه المهمة كان من الممكن للأفراد القيام بها بأنفسهم، على الأقل نظريا، من دون الحاجة لوجود هذه المؤسسات والوساطة المالية. ولكن هذا العمل يؤدى لشيء من عدم الفعالية وقلة في الكفاءة المدركة. وعلى الرغم من ذلك فإن ظهور الاحتياجات الجديدة والمتطورة لوسائل تمويل مختلفة من حيث التصميم وتواريخ الاستحقاق جعل من العسير على هذه الوسطاء المالية بصورتها التقليدية ومهامها القديمة من إشباع رغبات المستثمرين والمشاركين في أسواق المال عموما. ولذلك ظهرت الحاجة للابتكار ولابتداع وسائل جديدة لمقابلة هذه الاحتياجات.
2.تطور تقنية المعلومات وانخفاض تكلفة الاتصالات وتبادل المعلومات: مما لا شك فيه أن تقنية الحاسوب قد أثرت على القطاع المالي بصورة كبيرة، سواء من حيث حدوده ومفهومه أو طريقة عمله. فقد أثر الحاسوب على أشياء أساسية في هذا السوق مثل ماهية النقود نفسها، وعلى أشياء فرعية مستحدثة مثل كيفية عمل التحويلات النقدية بين العملاء، ولكن ظهور شبكات الاتصال بالذات ساعد على تحويل الأسواق العالمية المتعددة والمنفصلة إلى سوق مالي كبير, تنعدم فيه الحواجز الزمنية والمكانية ويصل مداه إلى مدى وصول المعلومة المرسلة. ونظرا لان هناك احتياجات مختلفة في أجزاء مختلفة من العالم المترابط بواسطة هذه الشبكات فقد أصبح من السهل تصميم الاحتياجات ومقابلتها بالاعتماد على قاعدة عريضة وواسعة من المشاركين في هذا السوق العالمي الكبير. وبالطبع كلما زاد عدد المشاركين في هذه الأسواق، كلما تمكن مبتكرو ومصممو الأوراق والأدوات المالية من العمل بصورة اقتصادية مقبولة، أي أنهم يجدون مساحة واسعة للحركة وكلما صمموا أو ابتكروا أداة جديدة وجدوا من يطلبها ويقبله.
3.ظهور مفهومي الكفاءة (efficiency) والفاعلية (effectiveness) كمعايير تراعى عند إصدار الأدوات والأوراق المالية: يعنى مفهوم الفعالية في سوق المال مدى مقدرة السوق على مقابلة احتياجات المشاركين فيه، بينما تعنى الكفاءة المدى الذي تستطيع فيه هذه الأسواق مقابلة هذه الاحتياجات بتكلفة قليلة، بسرعة ودقة عاليتين وهذين المعيارين (الكفاءة الفعالية) يأخذان أهمية اكبر في حالة توسع قاعدة المشاركين، وتوجه الأسواق نحو درجات عالية من تجويد وتقديم الخدمات للعملاء، ولذلك نجد في هذا الجو أدوات أو وسائل مالية (مثل تبادل أسعار الفائدة) تحل محل طرق تمويل قديمة نسبيا مثل إعادة تمويل القروض.
يمكن كذلك إضافة أسباب أخرى ساعدت على ظهور الهندسة المالية واتساع انتشارها ومن أهم هذه الأسباب:
- زيادة عدد الأسواق المنظمة الجديدة: حيث أدت زيادة عدد الأسواق المنظمة الجديدة للأسهم المستقبلية والمقايضات والابتكارات في الاتصالات وتقنية الحاسبات خلال السنوات الأخيرة إلى تخفيض تكاليف التجارة والأدوات المالية النمطية بشكل كبير جدا، ومن ثم زيادة مجالات استخدام الهندسة المالية بشكل واسع.
- زيادة المخاطر والحاجة إلى إدارتها: فقد أصبحت التقلبات في الأسعار خاصة بعد التوجه العالمي لتعويم أسعار الصرف وكذلك رفع الحواجز أمام تدفقات رأس المال عبر الحدود الجغرافية والسياسية والتطور الهائل في سرعة الاتصال والانتقال، والتحول الاقتصادي من اقتصاديات تركز على العمالة إلى اقتصاديات كثيفة المعرفة، كل هذا أدى إلى التقلبات الكبيرة وغير المتوقعة في المحيط الاقتصادي العالمي ككل، مما شكل خطرا كبيرا على مؤسسات الأعمال إذ هدد وجودها، ونتيجة لذلك أصبح من الضروري إنتاج منتجات مالية جديدة وتطوير قدرات عالية للسيطرة على المخاطر المالية. وأدى ذلك إلى تداول تلك المنتجات والأدوات المالية الجديدة في الأسواق الحالية للأوراق النقدية وفي أسواق رأس المال، وكذلك الأسواق الجديدة.
- محاولة الاستفادة من النظام المالي: إذ يعبر النظام المالي عن الهيئات والأعوان والآليات التي تسمح لبعض الأعوان خلال فترة زمنية معينة بالحصول على موارد التمويل، وللآخرين باستخدام وتوظيف مدخراتهم. وتتوقف فعالية النظام المالي على قدرته في تعبئة الادخار وضمان أفضل تخصيص للموارد. وهو ما يدفع الأعوان الاقتصاديين إلى التفكير في كيفية الاستفادة من النظام المالي بالطريقة التي يرغبون فيها، وبشكل كفء، وكذا في تطوير أدوات أو آليات جديدة للوصول إلى حلول مثلى لمشاكلهم التمويلية، أو لاستغلال الفرص الاستثمارية.
ثالثا. الابتكارات المالية
الابتكار حسب منظمه دول التعاون الاقتصادي، هو المجالات المتكاملة للتغيير والتي تشمل فكره أو منتج أو خدمة أو عملية أو طريقة تسويقية جديدة أو ممارسة إدارية أو تنظيمية جديدة أو طريقة جديدة والتي تتبناها وتطبيقها المنظمة لتحسين أدائها لتحقيق النجاح في تحسين نتائج أعمالها الاقتصادية. وقد تواترت تعريفات الابتكار واقتربت في معناها، ولم تكد تخرج عن المعنى السابق الذي ذكره شومبيتر والتي يمكن اختصارها على أنها التقديم الناجح لشيء جديد نافع محقق لنتائج ايجابية لم يكن بالإمكان تحقيقها قبل وجود الابتكار.
الابتكار عند المسلمين: لعل أول التعريفات التي وقعت عليها وتمثل تعريفا جد دقيق للابتكار ما جاءت به النظريات المعاصرة على الرغم من بعد العهد هو قول بعض المتقدمين في معرض حديثه عن أهداف التأليف حيث قال: (ينبغي ألا يخلو تصنيف التأليف من أحد المعاني الثمانية التي صنفها العلماء وهي: اختراع معدوم، أو جمع متفرق، أو تكميل ناقص، أو تفصيل مجمل، أو تهذيب مطول، أو ترتيب مختلط، أو تعيين مبهم، أو تبيين خطأ)، وإن ما يقع من أنشطه وعمليات داخل الأنشطة الثمانية السابقة يعد نشاطا شرط لازما ومطلوب إما ما يخرج عن دائرة ذلك فلا فائدة ترجى منه والأهمية لوجوده أو استمراره.