مقدمة
إن الذي يدفع المنتجين إلى عرض منتجاتهم في السوق هو جانب الطلب من قبل المستهلكين وبمقتضى عرض السلع والخدمات القيام بعمليات الإنتاج المختلفة.وقد تطورت نظرية الإنتاج كغيرها من النظريات الاقتصادية الأخرى تطورا كبيرا منذ عهد الطبيعيين، فقد نظر الطبيعيون إلى الإنتاج على أنه خلق المادة، ولهذا اعتبروا الزراعة هي العمل المنتج الوحيد فالأرض في رأيهم تعطي الكثير من الطيبات من بذور قليلة ولهذا فهي منتجة، بينما نظروا إلى التجارة والخدمات الأخرى على أنها أعمال غير منتجة.ولكن بعد أن قام النظام الاقتصادي الحديث على التخصص لم يعد هناك احتمال لتقسيم الأنشطة المختلفة إلى منتجة وغير منتجة.وذهب الفكر الحديث إلى اعتبار الإنتاج ليس خلق المادة كما ظن الأولون، وإنما هو خلق المنفعة، أو إضافة منفعة جديدة. بمعنى آخر إيجاد استعمالات جديدة لم تكن موجودة مكن قبل. فالخالق ليس من صنع الإنسان، وإنما هو من عمل ينفرد به الخالق المبدع سبحانه وتعالى، وكل ما في طاقة الإنسان ومقدوره إنما هو تغيير شكل المادة بما يتناسب وطرق إشباعها للحاجات.
المبحث الأول: الإنتاج
المطلب الأول: تعريف الإنتاج
لقد تعارف الاقتصاديون على إطلاق الإنتاج على:
أولا: هو تلك العمليات التي تغير من شكل المادة فتجعلها صالحة لإشباع حاجات ما أو بعبارة أخرى تلك العمليات التي من شأنها خلق المنفعة أو زيادة المنفعة وهذه هي المنفعة الشكلية مثل تحويل الخشب إلى كراسي أو موائد...الخ.
ثانيا: عمليان نقل من مكان تقل فيه منفعة الشيء إلى مكان آخر وتزيد فيه المنفعة دون تغيير شكلها.
ثالثا: هي عمليات التخزين حيث يضيف التخزين منفعة إلى السلعة، هي الاحتفاظ بها لحين حاجة الناس إليها، وقد يقتضي التخزين إجراء بعض العمليات الشكلية ولكنها محفظة بمادتها الأصلية فيطلق عليها المنفعة الزمنية مثل الاحتفاظ بالفواكه والخضروات عن طريق التبريد.
رابعا: هي الخدمات التي من شأنها تسهيل عملية التبادل، فالتبادل من شأنه أن يزيد من المنفعة، والمنفعة التي تنتج عن هذا الطريق يطلق عليها المنفعة التمليكية.
خامسا: وإن أصحاب المواهب العقلية كالمهندس والمدرس والطبيب والمحامي، ومؤسسات النقل والسياحة وغيرها هؤلاء جميعا يقدمون عملهم للأفراد هم في مسيس الحاجة إليها وهم وإن يشبعون هذه الحاجات، إنما يقومون بالإنتاج وإن لم يكن في صورة مادية.نخلص من ذلك إلى أن العملية الإنتاجية لا تعني عملية الخلق ذاتها وإنما تعني خلق المنفعة أو زيادتها، وهي بهذا تشمل السلع والخدمات ويتم التبادل في السوق عن طريق الأثمان.وهذه الأثمان لا تتوقف على طلب المستهلكين على هذه المنتجات فحسب، وإنما أيضا على تكاليف الإنتاج.غير أن التكاليف بدورها تعتمد على كميات العوامل المختلفة اللازمة لإنتاج منتج معين من ناحية، وعلى الأثمان التي يجب أن تدفع لوحدات هذه العوامل في مقابل استخدامها في الإنتاج من ناحية أخرى.
المطلب الثاني: عناصر الإنتاج
يتفق الاقتصاديون المعاصرون على تقسيم عناصر الإنتاج إلى أربعة أقسام وهي الأرض (الطبيعة)، والعمل ورأس المال والتنظيم (الإدارة)، وفيما يلي توصيف لتلك العناصر:
1- الأرض أو الطبيعة: يطلق لفظ الأرض أو الطبيعة على كل مستلزمات الإنتاج التي أمدتنا بها الطبيعة وهذه تشمل الصفات الطبيعية والكيماوية والحيوية والتضاريسية للأرض بالإضافة إلى ما يحتويه باطنها من مناجم وبترول أو مياه جوفية. كما يشمل هذا المعنى العوامل والظروف المناخية التي تحيط بنا.
2- العـمـل: يقصد بالعمل
هنا الجهد الذي يبذله الإنسان ذهنيا كان أو جسمانيا، أثناء قيامه بإنتاج السلع
والخدمات الاقتصادية، لذا فإنه يعتبر واحد من الأنشطة الاقتصادية التي تعمل على
إيجاد حل للمشكلة الاقتصادية التي تواجه المجتمع ككل، وترجع الفائدة من مساهمة
عنصر العمل في الإنتاج إلى قدرته الإنتاجية وبالتالي قدرته على خلق أو زيادة منفعة
السلع والخدمات التي يشارك في إنتاجها ويتطلب العمل من الإنسان أن يضحي بعدد من
ساعات يومه يقضيها في العمل، هذا بالإضافة إلى الجهد الذهني أو الجسماني الذي
يبذله خلال ساعات العمل.وكلما زادت الساعات
التي يخصصها الفرد للعمل كلما زاد بالتالي إنتاجه ولكن ليست هذه العلاقة علاقة
طردية مطلقة لأن الإنسان يتعرض إلى التعب.ولقد اختلف
الاقتصاديون الأوائل في نظرتهم إلى العمل، فالاقتصاديون الطبيعيون كانوا يعتقدون
أن الأرض هي العنصر الإنتاجي الوحيد وأن العمل الزراعي وحده أيضا قادر على خلق
إنتاج من التربة الزراعية في حين أن البعض الآخر وعلى رأسهم آدم سميث كانوا
يعتبرون أن العمل هو العنصر الإنتاجي الوحيد، وأن القدرة الإنتاجية للأرض ممثلة
فيما تحتويه من معادن، أو مواد عضوية، وماء، وهواء تتحول إلى حاصلات زراعية بفعل
الإنسان وأن العمل المنتج هو الذي يؤدي إلى زيادة الكميات المنتجة من السلع
المادية الملموسة، أما العمل المستخدم في إنتاج السلع الغير ملموسة أي الخدمات
كالخدمات الترفيهية.ولقد أدى تقسيم العمل
والتخصص إلى زيادة قوة العمل المتاحة وزيادة قدرتها الإنتاجية، ولقد كان آدم سميث
أول من نادى بتقسيم العمل ويقصد بذلك أن تقسيم العمليات الإنتاجية سواء على الوحدة
الإنتاجية أو المستوى القومي أو المستوى الدولي إلى عمليات إنتاجية صغيرة يقوم كل
عامل أو مجموعة من العمال بالتخصص في عملها، وبذلك يزداد الإنتاج الكلي وتتوقف
إمكانية تقسيم العمل على عوامل كثيرة أهمها نوع العمل أو طبيعته، حجم الأسواق التي
يوجه إليها الإنتاج ومدى توفر رؤوس الأموال اللازمة.
3- رأس الـمـال:
تطلق كلمة رأس المال على السلع الإنتاجية أو الرأسمالية أو الاستهلاكية التي يقوم الإنسان بإنتاجها لتساعده على إنتاج السلع والخدمات الأخرى سواء كانت إنتاجية أو استهلاكية أي الثروة التي يستخدمها الإنسان في خلق ثروات أخرى لذا يدخل في هذا التعريف سلع رأسمالية مثل المصانع بما فيها من آلات وعدد وسلع نصف مصنعة والمواد الأولية أو الخام، والسلع الاستهلاكية تشمل المنازل والسلع الغذائية...الخ.
ويذهب بعض الاقتصاديون إلى أن عنصر الأرض والطبيعة يدخل ضمن مفهوم رأس المال معللين ذلك بأن الأرض تعطي قدراتها الإنتاجية على دفعات متعددة شأنها في ذلك شأن السلع الرأسمالية الأخرى وتبعا لذلك ف‘ن عنصر رأس المال يشمل كل شيء سواء كان مصدره الطبيعة أو من صنع الإنسان يستخدم في الإنتاج فيما عدا عنصر العمل.
4- الإدارة أو التنظيم : الإدارة ماهي إلا نوع من أنواع العمل ولكنه يتميز بصفات خاصة وله أهمية كبرى في عمليات الإنتاج لذا فإنه يعتبر عنصرا، ويقوم بالإدارة فرد واحد أو مجموعة من الأفراد مسؤوليته عن إصدار القرارات الخاصة بكمية الإنتاج ومواصفات الإنتاج وكيفية الإنتاج وغيرها من القرارات المتعلقة بعمليات الإنتاج والتسويق وغيرها. وغالبا ما تقع مسؤولية نجاح المشروع أو فشله على مدى قدرة الإدارة وكفاءتها.
الجمع بين عناصر الإنتاج: إن إنتاج سلعة أو خدمة ما يتطلب الجمع بين عنصرين على الأقل من عناصر الإنتاج، فلو نظرنا إلى بدء الخليقة لوجدنا أن الإنسان الأول قد حصل على ما يحتاج إليه من غذاء وكساء عن طريق الجمع بين عنصرين من عناصر الإنتاج أولهما الأرض التي وهبتها له الطبيعة وجهده الجسماني أي العمل، وبمرور الزمان لجأ الإنسان إلى النظام القبائلي لما فيه من تأمين لحياته وتحقيق لرغباته وحاجاته المتعددة، ثم بدأت كل قبيلة نظرا لازدياد حاجات أفرادها في تقسيم العمل بين أفرادها وبدأت أيضا في إنتاج بعض السلع الإنتاجية التي استخدمت في عمليات الإنتاج المختلفة وبازدياد حجم القبائل على مر الزمان بدأت الأفراد والأسر تستقل بحياتها عن القبيلة وصحب ذلك زيادة مطردة في رغباتهم وحاجاتهم، مما يستلزم إنتاج سلع وخدمات بكميات كبيرة، لذا كان لزما على عناصر الإنتاج الأربعة أن تتعاون وتتضافر على تحقيق غاية كل مجتمع في أن يشبع رغبات أكبر عدد ممكن من أفراده عن طريق استغلال موارده المحدودة بكفاءة اقتصادية.
المطلب الثالث: التكاليف
* تعريف التكاليف: كلمة التكاليف لها معاني كثيرة فالنسبة لرجل الأعمال نجد أن المفردات التي تشتمل عليها كلمة التكاليف تختلف باختلاف الأغراض ولكنها تشتمل بصفة عامة كل المدفوعات اللازمة لإنتاج منتج معين كالأجور وأثمان المواد الخام وفوائد رؤوس الأموال المقترضة. أو بعبارة أخرى فإنها تمثل المدفوعات الفعلية.
* طبيعة التكاليف: تنقسم التكاليف من حيث طبيعتها إلى تكاليف نقدية وتكاليف غير نقدية.
أولا: النقدية: هي التي تأخذ شكل مدفوعات تعاقدية تلتزم بها المؤسسة قبل الغير أو كل المصروفات التي تدفع نقدا.
ثانيا: غير النقدية ( الأعباء الدفترية): المؤسسة ليست مجبرة على القيام بمدفوعات للغير ولكن من ناحية أخرى يتعين على أصحاب هذه العوامل الحصول على تعويض مقابل تقديمها للمؤسسة وإلا فأنهم سوف يقومون بتقديمها للغير نظير مبلغ نقدي.
أنواع التكاليف:
أولا: التكاليف الثابتة: هي التكاليف التي يجب أن تتحمل بها المؤسسة بصرف النظر عن حجم الإنتاج ولو كان الإنتاج صفرا. أو هي لا تتغير بتغير الإنتاج.
ثانيا: التكاليف المتغيرة: هي التي تتوقف على حجم الإنتاج ويمكن تعريفها بأنها تكاليف التي لا تكن لتوجد إذا لم يكن هناك إنتاج. والتي تتغير بتغير معدل المنتج (الإنتاج). فنخلص أن للتكاليف علاقة لصيقة بالإنتاج وكميته. فالمؤسسات لا تستطيع تحديد سعر بيع المنتوج إلا بالنظر إلى تكاليف إنتاجه.
وكذلك تحليل تكاليف العائدة لكل عنصر من عناصرها ومقارنتها بأي المقاييس سواء معيارية وتقديرية للتعرف على المسببات هو الذي يساعد الإدارة في الرقابة على التكاليف عن طريق اتخاذ الإجراءات المصححة في الوقت المناسب مما يساعد على اتخاذ القرار في كيفية ونوعية إنتاج منتوج يتماشى مع رغبات الأفراد.
خــــــاتـــمـــــة:
بما أن الإنتاج هو مجموع السلع والخدمات التي نحصل عليها بتضافر عناصر الإنتاج المختلفة ولتوفير تلك السلع والخدمات كثيرا ما يحتار الإنسان حين يحاول العثور على إجابة شافية على سؤال مثل: ماذا نعني ( حياة أفضل التي يسعى إليها دائما). أليست هذه مسألة شخصية تختلف من فرد لآخر ومن مجتمع لآخر؟. بل أليست هي مسألة نسبية تختلف من وقت لآخر ومن طرف لآخر . ومع هذا فنحن نتفق مع هؤلاء الاقتصاديين الذين رؤوا في عملية التنمية في هذا الوقت من القرن العشرين إنها تلك الجهود التي تسعى لتحقيق ثلاث إنجازات أو ثلاث قيم أساسية تشكل جوهر التنمية وهدفها النهائي لا يختلف كثيرا عن الشكل الذي تتخذه عملية الإنتاج في مجتمع معين. وفي فترة زمنية معينة وهذه الأهداف نذكر منها:
أ- إشباع الحاجات الأساسية للأفراد: للفرد (احتياجاته الأساسية والتي بدونها تصعب الحياة كالمأكل والمسكن والملبس والعلاج والحماية من الشرور والأعداء والأمن الداخلي والدفاع الخارجي). وإذا حدث غياب أو نقص شديد في عرض واحدة من هذه الاحتياجات أمكننا القول أن أحد مسببات التخلف قد تواجدت ولا تتوفر هذه الاحتياجات سالفة الذكر إلا بالعملية الإنتاجية (الإنتاج).
ب- تحقيق الذات وتأكيد الشعور بالإنسانية لدى الجميع:
أن يشعر الإنسان أنه إنسان وأنه ليس مجرد (أداة). لخدمة الآخرين أو مجرد آلة ضخمة تديرها وتحركها أو توقفها قوى أكبر منه. وأن يشعر أنه له كيان يحترم كرامة تؤخذ في الحسبان عند التعامل معه من جانب الدولة أو المجتمع شرف تحرص القيم السائدة على حمايته. واعتراف بإنسانيته في مواجهة الجميع هذا كله جانب آخر لمعنى الحياة الطيبة.
ج- إتاحة الحرية والقدرة على الاختيار: ونعني هنا الحرية بالمفهوم الاقتصادي في التحرر من استعباد الظروف المادية والحاجة والعوز، والتحرر من قهر الظروف البيئية والثقافية للإنسان والتحرر من العبودية في مجال العمل والتحرر من عبودية الإنسان (امرأة أو طفل أو رجل). للإنسان في مجال العبادات والمعتقدات والتي تعيق انطلاق الإنسان من أجل تحقيق حياة أفضل لنفسه ولمجتمعه.وإتاحة فرص لحصول الأفراد على احتياجاتهم الأساسية من مأكل وملبس ومسكن وحماية دون قيود. وبالتالي تنويع رغباتهم مما يخلق المنافسة في الإنتاج.وبالتالي فالإنتاج هو المادة الأولية التي تستخدمها دولة من الدول للحصول على تنمية اقتصادية تتماشى مع نظام الاقتصادي العالمي الجديد.